ابن كثير

5

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال : كنا عند مروان وفينا زيد ، فقال زيد بن ثابت : كنا نقرأ : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » ، قال مروان : ألا كتبتها في المصحف ؟ قال : ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب ، فقال : أنا أشفيكم من ذلك ، قال : قلنا فكيف ؟ قال جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : فذكر كذا وكذا وذكر الرجم ، فقال : يا رسول اللّه اكتب لي آية الرجم ، قال « لا أستطيع الآن » هذا أو نحو ذلك . وقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت عن زيد بن ثابت به ، وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولا به ، واللّه أعلم . وقد أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برجم هذه المرأة وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير ، ورجم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ماعزا والغامدية ، وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنهم جلدهم قبل الرجم ، وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم وليس فيها ذكر الجلد ، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء ، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم اللّه ، وذهب الإمام أحمد رحمه اللّه إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية ، والرجم للسنة . كما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه لما أتى بشراحة ، وكانت قد زنت وهي محصنة ، فجلدها يوم الخميس ، ورجمها يوم الجمعة ، فقال : جلدتها بكتاب اللّه ، ورجمتها بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة ومسلم من حديث قتادة عن الحسن عن حطّان بن عبد اللّه الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « خذوا عني خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم » « 1 » . وقوله تعالى : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم اللّه ، أي لا ترجموهما وترأفوا بهما في شرع اللّه ، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد ، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد فلا يجوز ذلك . قال مجاهد وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ قال : إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل ، وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح . وقد جاء في الحديث « تعافوا الحدود فيما بينكم ، فما بلغني من حد فقد وجب » « 2 » ، وفي الحديث الآخر « لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الحدود حديث 25 ، وأبو داود في الحدود باب 25 ، والترمذي في الحدود باب 8 ، والنسائي في القضاة باب 22 ، وابن ماجة في الحدود باب 7 ، والدارمي في الحدود باب 12 ، ومالك في الحدود حديث 6 ، وأحمد في المسند 5 / 317 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الحدود باب 6 ، والنسائي في السارق باب 5 .